فخر الدين الرازي
197
الأربعين في أصول الدين
على ذلك الوجه ، فيحصل ذلك العلم . وإذا عدم وقوع ذلك المعلوم على هذا الوجه زال شرط الايجاب . ولا جرم يزول ذلك العلم ، ويحدث علم آخر بوقوع ذلك المعلوم على الوجه الثاني » . فهذا مذهبه في هذا الباب . الا أنه يتوجه عليه سؤالان صعبان : السؤال الأول : انه تعالى قبل أن خلق العالم كان عالما بأنه سيخلقه ، فإذا خلق العالم فهل زال العلم الأول أو لم يزل ؟ فإن لم يزل كان عالما بأنه سيخلقه الآن ، مع أنه في نفسه مخلوق . وذلك محال . وأما ان زال العلم الأول ، فذلك العلم الّذي زال ، كان قديما أو حادثا ؟ فإن كان قديما كان هذا قولا بجواز عدم القديم . وحينئذ يبطل دليله على حدوث الأجسام لأن مبنى ذلك على أن عدم القديم لا يجوز . وأما ان كان ذلك العلم محدثا . فهذا العلم المحدث . هل كان مسبوقا بعلم آخر لا إلى أول ، أو لم يكن كذلك ؟ فإن كان الأول . كان هذا قول بحوادث لا أول لها . وهذا يبطل عليه دليل حدوث الأجسام . وأما ان انتهت هذه العلوم إلى علم محدث غير مسبوق بعلم آخر ، كان هذا قولا بأنه تعالى ما كان في الأزل عالما بأحوال هذه التغيرات ، فيكون هذا جهلا مطلقا للّه تعالى . وذلك باطل قطعا . السؤال الثاني : وهو أن الفلاسفة أقاموا البرهان المطلق على امتناع وقوع التغيرات في ذات اللّه تعالى وفي صفاته . فقالوا : كل صفة يفرض ثبوتها فذات اللّه تعالى من حيث هي هي ، اما أن تكون كافية في ثبوتها ، أو كافية في انتفائها ، أو لا تكون كافية لا في ثبوتها . ولا في انتفائها . فان كانت ذاته سبحانه كافية في ثبوتها ، وجب ثبوتها للذات وأبدا . حتى تكون تلك الصفة دائمة الثبوت بدوام ذاته . وان كانت ذاته سبحانه وتعالى كافية في انتفائها ، وجب انتفاؤها عن الذات أزلا وأبدا ، حتى تكون دائمة الانتفاء بدوام